موفق الدين بن عثمان
15
مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )
وكان مدرّسا بها ونائب الحاكم ، فذاق من هذا الطريق شيئا على أيدينا ، فقال : يا سيدي ، أأترك ما أنا فيه وأتفرغ لصحبتك ؟ فقلت له : ليس هذا شأننا ، ولكن امكث فيما أقامك اللّه ، وما قسم لك على أيدينا هو إليك واصل . ثم قال : وهكذا شأن الصديقين ، لا يخرجون عن شئ حتى يكون الحقّ هو الذي يتولى إخراجهم . فخرجت من عنده وقد غسل اللّه تلك الخواطر من قلبي ، وكأنها كانت ثوبا نزعته ، ورضيت عن اللّه فيما أقامني فيه » . والطور الثالث من حياته يبدأ من وقت ارتحاله من الإسكندرية ليقيم بالقاهرة ، وينتهى بوفاته سنة 709 ه ، وهو طور نضجه واكتماله من الناحيتين : الفقهية والصوفية ، والإفادة منهما في التدريس . وفي هذه المرحلة من حياته فرّق ابن عطاء اللّه بين العزلة والخلوة ، وأعطانا وصفا مميزا لكل منهما . ويرى ابن عطاء ضرورة اصطناع العزلة عن الناس والخلوة في مكان بعيد ، وفي ذلك يقول الغزالي في إحياء علوم الدين : « والذين يستندون في هذا المسلك إلى أساس من اعتزال النبي صلّى اللّه عليه وسلم وتحنثه في غار حراء قبل نزول الوحي ، حتى صفت نفسه وتهيّأ لنور النبوّة » . والعزلة عند ابن عطاء تعنى الانقطاع المعنوي لا الحقيقي عن الخلق ، بحيث يكون السالك مراقبا نفسه على الدوام ، ومحاذرا أن يشغل ذهنه بالعالم ، فإذا أحكم الصوفي عزلته ، وألفت نفسه الوحدة دخل الخلوة . ويعرّف الخلوة بأنها وسيلة للوصول إلى سر الحق ، فهي تبتّل إلى اللّه ، وانقطاع عن غيره - سبحانه وتعالى . ويصف ابن عطاء اللّه البيت الذي يختلى فيه المتصوف فيقول : « فأمّا بيت الخلوة فله هيئة خاصة ، فيكون ارتفاعه قدر قامة الرجل ، وطوله قدر سجوده ، وعرضه قدر جلسته ، ولا يكون فيه ثقب ينفذ الضوء منه إلى الخلوة ، وأن يكون بعيدا عن الأصوات ، وبابه وثيقا قصيرا في دار معمورة بالناس » « 1 » .
--> ( 1 ) المرجع السابق .